أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
154
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
والحقيقة . فنور الشريعة يكشف : ظلمة البطالة والتقصير ويظهر نور المجاهدة والتشمير ، فتحكم البصيرة بقبح البطالة وحسن المجاهدة ، فيقبل القلب على مجاهدة الجوارح في طاعة مولاه ، ويدبر عن متابعة حظوظه وهواه ، ونور الطريقة يكشف : ظلمة المساوئ والعيوب ، ويظهر بهجة الصفاء ، وما يثمره من علم الغيوب ، فتحكم البصيرة بقبح العيوب وحسن الصفاء وعلم الغيوب ، فيقبل القلب على ما يوجب التصفية ، ويدبر عما يمنعه من التخلية والتحلية . ونور الحقيقة يكشف : ظلمة الحجاب ويظهر له محاسن الأحباب ، أو تقول : نور الحقيقة يكشف له ظلمة الأكوان ويظهر نور الشهود والعيان ، فيقبل القلب على مشاهدة الأحباب داخل الحجاب ، ويدبر عما يقطعه عن الأدب مع الأحباب ، جعلنا اللّه معهم على الدوام في هذه الدار وفي دار السلام آمين . ولما كان أصل كل نور وسر وخير هو طاعة اللّه ، وأصل كل ظلمة وحجاب وبعد هو معصية اللّه ، ومن علامة حياة القلب : فرحه بالطاعة وحزنه على صدور المعصية ، نبّهك الشيخ على وجه الفرح بالطاعة التي هي سبب نور القلوب ، ومفاتيح الغيوب ، فقال : 58 - لا تفرحك الطّاعة لأنها برزت منك ، وافرح بها لأنها برزت من اللّه إليك قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] . قلت : قد تقدم في الحديث : « من سرّته حسناته ، وساءته سيئاته فهو مؤمن » والناس في الفرح بالطاعة على ثلاثة أقسام : قسم : فرحوا بها لما يرجون عليها من النعيم ويدفعون بها من عذابه الأليم ، فهم يرون صدورها من أنفسهم لأنفسهم لم يتبرءوا فيها من حولهم وقوتهم ، وهم من أهل قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] . وقسم : فرحوا بها من حيث إنها عنوان الرضا والقبول ، وسبب في القرب والوصول ، فهي هدايا من الملك الكريم ، ومطايا تحملهم إلى حضرة